الوطنية اولا ثم الديمقراطية –  بقلم:  محمد فاضل محمد اسماعيل (obrero)

الوطنية اولا ثم الديمقراطية – بقلم: محمد فاضل محمد اسماعيل (obrero)

       قد يخيل للبعض ان الديمقراطية وُبَّهة منزلة صالحة لكل الظروف و الازمان، بينما هي غاية وهدف سامي يحتاج منبته لظروف متكاملة : – اولها السيادة على الاوطان – ثم الاستقرار في كل مناحي الحياة – فوجود تركيبة سياسية، اقتصادية و اجتماعية تضمن التداول على السلطة لتسير شؤون البلاد والعباد بآمان، و لتوفير هذه الظروف لابد من عمل وطني جبار يبذله الوطنيون في تحرير الوطن و تأمينه و إقرار الاستقرار وبناء مؤسسات يعتمد عليها الوطن في أمنه و استقراره، وتضمن للمواطن عيشه الكريم، ومن ثم يأتي ما تبقى من زخرف الحياة، يعني ان الوطنية والعمل الوطني الذي قومه البذل و العطاء، هو الذي تعتمد  عليه أية ديمقطراية بل و يسبقها ليمهد لوجود ترتكز عليه، ثم توطأة لها، لان الاولي تعني بذل الجهد الوطني لخدمة الاوطان و الحفاظ عليها، والثانية تصرف المحصول لخدمة المجتمع، بمعنى ان الاوطان يجب ان يعتنى بها اعتمادا على تضحيات الوطنيين (كل على قدر كرمه) حتى تأتي وُكلها  بعطاء كرمائها، فتقام الديمقراطية لتوزيع محصول ما لصالح المواطن بقدر يضمن سلامته و عافية وطنه.

      ان الشعوب التي تتمتع بمؤسسات قوية هي التي تضمن الديمقراطية بتوفيرها لظروف إقامتها وقدرتها على الفصل بين مصالح البلاد العليا وما دونها لتجد مجالها الذي تسبح فيه دون ما مس من الخطوط الحمراء التي تعلِّمها في النظم التي تنظمها، وما عدى ذلك من ديمقراطيات مزعومة، فلا تعدو كونها زخارف مستوردة تتلون بألوان الظروف التي تمر بها البلاد في كل حقبة حقبة، وقد يجرنا ذلك لِلَفتة ولو بلمح البصر الى تجارب البشرية بحلوها و مرها، لانه ما من وجه سيئ الا و له محاسنه التي بررت وجوده اصلا، وبالمقابل ما من عمل جييد الا وله عيوبه التي تسبب زواله الحتمي، و ما من شيئ الا و هو زائل الا وجه اللّٰه الكريم، و في المضمار نورد محاسن لمساوي تبين لي انها تفيد القارئ المحترم، بغض النظر عن الحكم على اصحابها:

     “في إحدى المرات زار ستالين أحد مصانع النسيج في لينينجراد، ولشدة خوف إدارة المصنع من شخصيته وجبروته قامت بتكليف أحد صغار المهندسين ليشرح لستالين عملية الإنتاج والتوزيع والتسويق للمصنع والرد على تساؤلاته. وقد نفذ هذا المهندس الصغير التكليف بكل جرأة ومعرفة ونجاح الى درجة أدهشت ستالين، وفور انتهاء زيارته لمدينة لينينجراد وعودته الى مكتبه أصدر قرارا بتعيين هذا المهندس الصغير وزيرا لصناعة الغزل والنسيج في الاتحاد السوفيتي، فشهدت تلك الصناعة تطورا ملحوظا في عهده.

      لقد كان ذلك المهندس الصغير هو ألكسي كوسجين الذي أصبح فيما بعد أشهر وأنجح رئيس وزراء عرفه الاتحاد السوفيتي.”

          “قرب نهاية الحرب العالمية الثانية استدعى الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر أحد كبار مستشاريه الهندسيين الذي عمل معه طيلة سنوات الحرب وأمره بإعداد كشف بأمهر المهندسين الألمان في كل المجالات، وإحضاره إليه في أسرع وقت.

وعندما نفذ المستشار الطلب و أحضر القائمة الى هتلر، أمره بأن يأخذهم جميعا في عربات الى مكان حدده له بعيدا عن التعرض لخطر الحرب، وقال له: هذا المكان هو الأكثر أمنا في ألمانيا وعليك أن تحتفظ بهم فيه وترعاهم. و لو أن هتلر تعرض لانتقادات واعتراضات القيادات النازية التي هاجت أمام هذا التصرف  وأخبرته أنها في أمس الحاجة لهؤلاء المهندسين ولا يستطيعون الاستغناء عنهم في الوقت الذي يخوضون فيه معارك مصيرية مع العدو، و لكنه أصر على قراره وقال لهم: إن الوقائع تشير الى احتمال خسارتنا للحرب ، وأن ألمانيا تحتاج الى هؤلاء أكثر من حاجتنا لهم ؛ فهم الذين سيعمرونها بعد الحرب ويعيدون ألمانيا كما كانت وذلك هو ما تحقق فعلا؛ فبعد أن انتهت الحرب بخسارة ألمانيا استعان المستشار الألماني ديناور الذي جاء بعد هتلر بإولئك المهندسين الذين أعادوا إعمار ألمانيا وأصبحت ألمانيا خلال عشرين عاما من أقوى دول العالم إقتصاديا، وعادت الى و ضعها الذي كانت فيه قبل الحرب بل وأحسن منه.” 

         وبذلك وغيره من العمل الوطني الالماني وقفت المانيا شامخة قوية و اتحدت وحطمت جدار برلين رغم الهزيمة و خسائر الحرب و التقسيم وشيدت الديمقراطية وعززتها رغم الادلوجيات المتنافرة، وصمدت روسيا في وجه الهزات المتتالية وما في الشيوعية من انقاص هيكلية وما واجهته من هجمات غربية متعددة الاشكال والاطوار، كانت تمحقها لولا عمل وطني مماثل.

        وخلاصة القول ان الديمقراطية غاية ثمينة تحتاجها الشعوب لكن الديمقرطية من اجل الديمقراطية لا اساس لها في الوجود إلا اذا تم التأسيس لها بعمل وطني شاق يدفع ثمنه الوطنيون ببذل ما يملكون من غال ونفيس، عمل يعود على الوطن بنتيجة تعيش الاجيال في ظلها دائما و يتولد عنه احترام العالم اجمع بجدارة. و رغم ان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تنشد ديمقراطية حقة تتعدى احيانا مقاييس الديمقراطية في العالم غير ان اساسها لا يزال في اطوار التحقيق و ينبغي ان لا نضع في افواهنا ما لا نستطيع ابتلاعه، بل يجب علينا ان “نگطع گد افامنا” حتى نكون موضوعيين ونتجنب عيش احلاما لا زالت بعيدة المنال.

               2019/09/29

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*