القبلية تعني العدمية و الدولة تعني الوجود   –  بقلم: محمد فاضل محمد اسماعيل  (obrero)

القبلية تعني العدمية و الدولة تعني الوجود – بقلم: محمد فاضل محمد اسماعيل (obrero)

       يدل التعصب القبلي على الموالاة بشكل تام للقبيلة و العشيرة و مناصرتها مظلومة أكانت أو ظالمة. و هناك مسلمة ثابتة تفيد بتعارض النظم القبلية وتوجهات الدولة بصرف النظر عن هذه التوجهات و ان حضور القبلية و تنامي دورها يكون دائما على حساب قيم المواطنة و تقلص دور الدولة، و التكتّل القبلي يخلق ارضية تؤثر في الخريطة السياسية على نحو فوضوي غير ديمقراطي، يعطّل الممارسة الديمقراطية، لان القبلي لا يؤمن بالديمقراطية أصلاً لتعارضها و طبعه ومن عادته رفع شعارات تخالف مضمونها، فهو صالح لذاته ناقم على غيره، إن كل وطني غيور (ولو لم تكن له خبرة بالعلوم الاجتماعية و فن الإدارة ) يدرك أن ترك النعرات القبلية تتفاقم يعتبر ايذاناً بانتحار جماعي، و بتفسير آخر  هو نوع من القتل البطيء للدولة ينتهي الى شرذمتها ومسحها من خريطة الوجود، ولو على مهل، و ما من شك في أن أكبر خطر تواجهه الدول مهما  كانت طبيعتها هو تدني الولاء للوطن ليحل محله ولاء لغيره، وإن كان  للقبلية فهي التي يغيب العدل فيها، وتنشر كل اشكال التمييز و التفرقة وتعم الفوضى و يشيع التسلط والظلم و يأكل في كنفها القوي الضعيف و يسودها قانون الغاب، فتجتث بذلك جذور الدولة و تنسفها وتتركها هباء منثورا.

         وعليه فإن أية خطوة تتخذها  الدولة في سبيل إيجاد توافق بين هاذين الكيانين محكوم عليها بالفشل لان نجاح أحدها يؤدي حتما إلى شل قوى الآخر و القضاء عليه تدريجيا، فالقبلية منافية للعدل، و التعصب القبلي محرم في الإسلام بنص الحديث الشريف التالي: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» والعصبية أو التعصب هو المحاماة والمدافعة عن الباطل، أو استعمال الأساليب غير المشروعة  و الملتوية لذلك وهي اقرب في طبيعتها الى النفاق و المنافق من سيم الاسلام، و بما انها نشأت في زمن العدمية السياسية وبقيت هكذا صرمدا، فهي تجافي العقل و التعقل والاتزان و تنصاع للعواطف وتحكمها الغريزة العمياء مما يجعل صاحبها يتصرف خارج جادة الصواب فتنعدم في اغلب تصرفاته معايير الحق و العدل ويميل الى المبالغة و التهويل والكذب و التكبر الذي هو اساس المعصية، ان آثار القبلية والتصرف القبلي بالغة الخطورة، فقد يترتب عنها السب والغذف والغيبة، والتباغض والتهاجر، الى درجة القتال والتقاتل. ففي احدى غزواة النبي – صلى الله عليه وسلم – وقعت مشاجرة بين بعض اصحابه كادت تسبب بينهما حرباً، لولا أنه عليه الصلاة والسلام تصرف حيالها بحكمة وتوفيق من ربه، فقد صفع رجل مهاجرا رجلاً  انصاريا فاستنجد كل منهما بعصبيته، فسمعما  رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: مابال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: دعوها فإنها خبيثة». اذن القبلية موروث جاهلي قال فيه ابن تيمية رحمه الله: «ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه وإنما يمدح الإيمان والتقوى ويذم الكفر والفسوق والعصيان». لقد اكتوى العرب في قديم الزمان بداء التمييز بين الناس واكتوى به الغرب وذاقت الأمم قديماً وحديثاً ويلاته، فأزاله  الإسلام و العلم  وما بقي منه الا ما هو عالق بالجهل والتخلف. ان إشاعة النعرات القبلية يستفيد منه العدو ويحقق له أغراضه الدنيئة من تفكك وتفرقة وتباعد وتشرذم وتمزيق وإحياء مآثر الجاهلية. وما قال الرسول صل اللّٰه عليه و سلم : “دعوها فإنها نتنة”، إلا لحكمة بالغة.

         إن الذي لا يستفيد من تجارب التاريخ لا يستطيع تحرير الاوطان ولا  الحفاظ على المكاسب، و القبلية جربها الشعب الصحراوي بما فيه كفاية ولزمن كافي وتعلم من سلبياتها انها وكر للضعف ومختل يتخذه العدو للتحكم في رقابنا، ولقد مكننا اللّٰه من الرحيل عن مستنقعها ووهبنا ادبيات الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بديلا لها، وما “يرجع للدار” الا متخاذل تختلط عليه  الاوراق ونحن حاشانا من ذلك وقد قطعنا عهدا على انفسنا بأن نبني صرح الجمهورية العربية الديمقراطية على كامل وطننا الحبيب ولن نقبل بالردة ونقض العهد لان شيمنا الوفاء بالعهود والتعلق بالمكارم والترفع عن الرذائل وما من رذيلة تشوب ميسرتنا المظفرة انذل من القبلية وما يشبهها من وهن كالقيل والقال والكذب و الظنون التي تخلق عدم الثقة بيننا وما لها من منبت سوى القبلية وما تنم عنه   من دناءات وقد نهى الرسول صل الله عليه وسلم عن ذلك قائلا: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». ومن عاهد وفى. وفقنا اللّٰه وإياكم لما فيه خير الدنيا والآخرة.

            2019/09/24

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*