المؤتمر الخامس عشر: محطة حاسمة لاتخاذ قرارات مصيرية  – بقلم: الديش محمد الصالح

المؤتمر الخامس عشر: محطة حاسمة لاتخاذ قرارات مصيرية – بقلم: الديش محمد الصالح

المؤتمر هو تجمع نخبوي للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وهو أعلى سلطة، تصل المشاركة فيه في بعض الاحيان الى اكثر من الفي (2000) مندوب، وينعقد ما بين ثلاثة إلى أربعة سنوات حسب القانون الاساسي الذي يقره نفس المؤتمر. والمؤتمر هو محطة للتقييم والمراجعة ووضع الخطط والبرامج للفترة ما بين المؤتمرين، ويتم خلاله كذلك مراجعة القانون الاساسي والدستور وانتخاب القيادة الوطنية. وتختلف المؤتمرات حسب اختلاف الظروف والتحديات القائمة التي تنعقد في ظلها وحسب القضايا التي تعالجها، بحيث عادة ما تطغى على التحضيرات التوجهات السياسية لمسيرتنا الكفاحية التي هي من اختصاص المؤتمر رغم ان هذا الاخير يمكنه تخويل هذه الصلاحية للقيادة عندما يكون التحليل غير مكتمل العناصر خلال فترة انعقاد المؤتمر.

ان نجاح  المؤتمر بالنسبة لنا يكمن في تعزيز صمودنا والدفع بعجلة كفاحنا الى الإمام، وهذا يعني أن التحضير لابد أن يركز على المشاكل والعراقيل القائمة لكي يتم تجاوزها بقرارات حاسمة في المؤتمر. والتحضير هنا لا يخص القيادة لوحدها أو اللجنة التحضيرية، التي مهمتها توفير الظروف المناسبة لنقاش وطني، بل كل الصحراويين معنيين بالأمر، خاصة النخب المثقفة التي حان الوقت لقطف ثمار ثقافتها.

ان اتجاه بوصلة كفاحنا ثابت ولا يتغير، مهما وصلت صعوبة الظروف او كثرت التحديات او تعددت المؤامرات، لأن ما يحدده هو إرادة شعبنا وعزيمته القوية على مواصلة كفاحه المشروع حتى النصر، وتحدده جسامة التضحيات وعظمة الإنجازات والمكاسب المحققة. وشعبنا يدرك ان طريق كفاحه ليست مفروشة بالحرير بل مليئة بالصعاب واشواكها حادة ومؤلمة، ولكن إيمانه قوي في التغلب على الصعاب مهما كثرت وتكسير الاشواك والصبر على آلامها مهما بلغت من حدة، خاصة وأن تجربته حافلة بالتحدي وصنع المستحيل.

ان المؤتمر الخامس عشر للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب على الابواب، والآمال معلقة عليه في اتخاذ قرارات تخرجنا من حالة الانسداد والجمود التي نعيشها والتي أصبح كفاحنا رهينة لها. ولكن قبل كل شيء علينا ان نحرر واقعنا من الانقاص والظواهر والأخطاء والتجاوزات التي تساعد على استمرار هذا الوضع، وحينها سنكون قادرين على فرض مواقفنا على العدو وعلى العالم وإقرار الخيارات التي نراها مناسبة. ولكي نوفق في معالجة صحيحة لوضعنا الذاتي يتوجب علينا ان نكون صريحين وموضوعيين في الطرح وان نتحلى بمثل وقيم ومبادئ الثورة وان نمتلك الإرادة والجرأة في اتخاذ القرارات. وفي هذا الاطار لابد من الحضور الكبير للندوات السياسية التي ستسبق المؤتمر والمشاركة الواسعة في إثراء النقاش الذي سيتخللها، خاصة من طرف فئة الشباب، وان نحسن في اختيار المندوبين للمؤتمر.

اننا نتوفر على عوامل قوة لا تبعث على التشاؤم اذا ما احسنا توظيفها، ولعل أهمها هو عزم شعبنا على مواصلة كفاحه التحريري واستعداده لتقديم المزيد من التضحيات، في ظل تضاعف عددنا ومثقفينا وفي ظل استعداد جيش التحرير الشعبي الصحراوي القتالي وارتفاع مستوى جاهزيته البشرية واللوجستية وما يجسده من مظاهر السيادة على أراضينا المحررة. وثاني عوامل القوة هو الاعتراف الدولي بحق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال، وقوة القانون التي نمتلكها والمكانة المرموقة التي اصبحت الدولة الصحراوية تحتلها دوليا و خاصة على المستوى القاري. اما ثالث عوامل القوة فهو ما اظهرته الانتفاضة في المناطق المحتلة من قدرة على خلق تحول كبير في الصراع بيننا والعدو. 

ان التوظيف الاحسن لهذه العوامل لن يأتي تلقائيا بالتأكيد، ولكن يأتي بحسن اختيارنا للأداة التي ستقودنا، وبخطة العمل التي سنرسمها لها، وبالتوظيف الجيد لقدراتنا الثقافية والفكرية، وبالإجراءات التي تضمن المراقبة والمحاسبة، وبتجسيد العدالة والمساواة. ان وضعنا مترديا للغاية في جوانب التخطيط، الأداء والخدمات، ومليء بالممارسات الخاطئة وظواهر خطيرة منتشرة بشكل فظيع؛ كالفساد، نهب المال العام، الانتهازية، المحسوبية، القبلية، المخدرات والجرائم.. الخ. والاكثر من ذلك تعاطينا اللامشروط  مع الأمم المتحدة التي فشلت في تمكين شعبنا من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال، وفي غياب افق للحل، وفي ظل رفض النظام المغربي التسليم بحق شعبنا، وأصبحنا نركد وراء المبعوثين الخاصين الذين لا يحسنون سوى الدوران في نفس المكان. لقد اضعنا الكثير من الفرص للخروج من هذه الدوامة والتي كانت آخرها ولازالت فرصة غلق معبر الكركرات اللاشرعي الذي يستنزف خيرات وطننا ويعود على العدو بالكثير من الفائدة.

ولا اريد القول هنا ان علينا قلب الامور رأسا على عقب ومطالبة الأمم المتحدة بالرحيل الفوري والعودة مجددا للكفاح المسلح، الا اذا كان هذا هو الخيار الوحيد لانتزاع حقنا، بل ما اريد قوله ان اي تعاطي يجب أن ينطلق من كوننا المعنيين بالأمر وكوننا أصحاب حق وينطلق من احترام تضحياتنا ومعاناتنا. وما اريد قوله ان حالة قوتنا الذاتية هي مقياس احترامنا من عدمه ، فإذا كنا أقوياء فالجميع سيحترمنا ويطرح لنا بالحسبان بما في ذلك العدو، اما اذا كنا ضعفاء فسنبقى دوما الحلقة القابلة للتنازل. 

اكثر من ثلاثة واربعين سنة هي عمر صراعنا مع المحتل المغربي، اظهر فيها الشعب الصحراوي شكل من الصمود والمقاومة لا مثيل له، ورغم المعاناة الكبيرة من جراء قساوة ظروف اللجوء ورغم الممارسات القمعية في الأرض المحتلة والسياسات الهادفة الى طمس الهوية الوطنية الصحراوية، لم يفارق الصحراويون الامل يوما في تحرير أرضهم وقيام دولتهم، التي يتطلعون للعيش في ظلها معززين ومكرمين. يجب على ابناء وبناء الشعب الصحراوي أن يعكسوا هذا الصمود، وهذا الصبر، وهذا التحدي  في كل محطات التحضير لمؤتمرنا الخامس عشر وفي النتائج التي سيتمخض عنها هذا المؤتمر، ولنترك جانبا صغائر الامور وننظر الامام؛ الى صراعنا مع العدو والى كيفية الانتصار عليه، ولنؤكد للعدو اننا له بالمرصاد، أقوياء، متماسكون ومستعدون لتقديم مزيد من التضحيات من اجل خيار وحيد الا وهو تحرير وطننا واستكمال سيادة دولتنا على كل ربوعه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*