وقفة تأمل مع الذات –  بقلم: الديش محمد الصالح

وقفة تأمل مع الذات – بقلم: الديش محمد الصالح

من يتطلع للحرية والكرامة عليه ان يدرك ان ثمنها هو التضحية بالغالي والنفيس، فمن مات فان جزاءه  الشهادة وهي اعلى الدرجات عند الله عز وجل، ومن بقي فإن جروحه وآلامه ومعاناته هي شهادة حياة على الصدق والإخلاص والوفاء. ونحن الصحراويون يجدر بنا ان نفتخر لأن صمودنا وتحملنا للآلام والمعناة هي شهادة على صدقنا ووفاءنا لشهدائنا الابرار على مواصلة كفاحنا التحريري ضد المحتل المغربي الجاثم على ارضنا والذي استباح خيراتنا منذ اكثر من عقدين من الزمن، هذا الاحتلال الذي أبعدتنا  دباباته ومدفعيته وبطشه وقنابل طائراته عن ديارنا وقسم ارضنا وعائلاتنا وجعل جزء من شعبنا  يعيش اللجوء ويكابد معاناته، وهو كذلك المسبب في ما يتعرض له الجزء الآخر الموجود تحت سيطرته من قمع وتنكيل وحرمان وفقر وتهميش. 

لا أحد ابدا يمكن أن يتحكم في طول أو قصر زمن الكفاح من أجل تحرير الوطن عندما تنطلق شرارته، ولا أحد يستطيع التحكم  في عبور منعرجاته بسلام ولا مواجهة الصعاب التي ستواجهه، الا من يمتلك روح التحدي وصلابة الإرادة والثقة في النفس والإيمان بالنصر، فهذه العوامل وحدها هي القادرة على التحكم في توجيه السفينة. منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 والدخول في مسلسل التسوية السياسية ونحن نعيش حالة من الانتظار والترقب، وجه لها الكثيرون ولازالوا الكثير من الانتقادات، حتى ان البعض يصفها بالمصيدة التي كسرت شوكة الصحراويين الذين يتقنون فن الحرب المسلحة، ولكن لا يغيب عن اذهاننا ان هذه المرحلة الجديدة والمختلفة كل الاختلاف عن سابقاتها كانت ممرا اجباريا علينا عبوره فرضته عوامل اصبحت تتحكم في مسار الأوضاع عامة بعد انتهاء الحرب الباردة و انهيار الحلف الشرقي وإدارة العالم من قبل الحلف الغربي الذي كان دوما يدعم احتلال المغرب لأرضنا، بالإضافة إلى الأوضاع الإقليمية والمحلية. اننا نواجه عدوا سمحت له تقلبات الأوضاع الدولية ودعم الفاعلين الدوليين له بالمماطلة في حل قضيتنا والتلاعب بصدق نوايانا، وظل يلعب على معنوياتنا ونحن نترقب الفرج سنة بعد سنة إلى يومنا هذا، لكن رغم كل هذا لم ينتصر علينا بل بات من المستحيل عليه الانتصار علينا  لما مُني به من فشالات وهزائم وما اصبح عليه اليوم من عزلة دولية خانقة من جراء تعنته في استمرار احتلاله للصحراء الغربية، ويعود الفضل في ذلك الى الارادة الفولاذية للصحراويين وإلى صمودهم المنقطع النظير. 

لا اريد ان اطيل الحديث عن ما فات رغم أهمية التقييم، وما اريد التأكيد عليه هو اننا والحمد لله استطعنا أن نصمد في وجه رياح قوية عصفت بالكثير من الشعوب والدول، وصمودنا  دليل على  اننا اقوياء ونمتلك كل المقومات المعنوية والمادية والبشرية لرفع التحدي خاصة وان حق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال يحظى بدعم دولي غير مسبوق. بالفعل ان مرحلة اللاحرب واللاسلم  اثرت سلبا على واقعنا المعاش، لكن لا يمكن عزل ذلك، كما اشرت له في بداية النقال، عن المنعرجات والصعاب التي تواجه اي معركة كفاح من اجل التحرير،  وأرى انه من اجل التغلب عليها من الضروري اتباع جملة من الخطوات:

اول خطوة هي الواجبات الفردية والارتقاء بالنفس ومراجعة الذات، فالنهوض بواقعنا يأتي من تغيير النفوس والعقليات المشوهة بالمفاهيم المغلوطة والسلوكيات الخاطئة حتى نستطيع إرشاد أنفسنا الى خدمة المصلحة العامة وإشاعة الحس الوطني. فهل سبق وأن طرح احد منا السؤال على نفسه اين الخطأ من الصواب في كل ما نقوم به من افعال؟ هل نؤدي واجباتنا الفردية كاملة اتجاه قضيتنا الوطنية واتجاه ما يجمعنا ولا يفرقنا واتجاه ارتباطنا  بتنظيمنا الوطني؟ ما هو مدى احترامنا للقوانين والإجراءات المعمول بها؟ اين مساهمة الفرد في التأمين الذاتي وفي حماية نفسه من الوقوع في اشراك العدو ومصائده ؟ هل سألنا انفسنا عن شرعية تجارتنا ان كنا نمارس التجارة، وما الفائدة منها على المجتمع ؟ ما السبب الذي جعلنا نفضل اللجوء للطرق الملتوية على الطرق القانونية حتى أصبحنا نحلل ما هو حرام ونحرم ما هو حلال؟  ماهي مساهمتها في تربية أبنائنا وبناتنا، في تعليمهم في تكوينهم، في الرفع من مستوى تفكيرهم وفي المحافظة على أخلاقهم؟ أظن أن هذه هي أول خطوة للنهوض بواقعنا، وهي أهم خطوة نحو بناء مجتمع حضاري يكون فيه الإنسان رأسماله الأول.

ثاني خطوة هي تشجيع المبادرة والابداع، فما دام الانسان هو رأسمالنا الاول نظرا لما يتوفر عليه من طاقات فكرية وعقلية، فإنه مطالب بأن يرفع التحدي ويبادر ويبدع في الطرق الكفيلة بتعزيز مقومات صمودنا. كل صحراوي اليوم مطالب بالمساهمة بتحديث وتطوير أساليب المواجهة مع العدو وبالرفع من مستوى أداء مؤسساتنا وفروعها، فميدان التسيير بحاجة لتحسين أدائه، وميدان التعليم بحاجة لجهد مشترك للدولة والمجتمع لتثبيت اسسه وترسيخ القناعة بأهميته، وكذلك الشأن بالنسبة لميدان الصحة الذي يجب أن نجنبه اي نوع من انواع  الاتكال والإهمال ويساهم الجميع في الارتقاء بمستواه بالشكل الذي يضمن خدمات صحية دائمة ونوعية للمواطن وتقريبها  منه قدر المستطاع. جانب آخر في غاية الأهمية هو ميدان الاكتفاء الذاتي، وهنا لابد من اكتشاف طرق جديدة للتأسيس لاقتصاد محلي كفيل بتحسين الحالة المعيشية للمواطن، واظن ان احصاء المال الذي يشتغل اليوم في المخيمات والأراضي المحررة سيرشدنا لطرق احسن لاستثماره بما يرجع بالفائدة على المواطن. وبإمكان ذوي الاختصاص البحث  في إمكانية انشاء شركات ومصانع مصغرة.. الخ؟ بالتأكيد ان استغلال العقل البشري واستثماره سيجد حلول للكثير من المشاكل التي تواجهنا.

ثالث خطوة هي تعزيز سلطة الدولة، من خلال لعب المؤسسات لدورها في التسيير، التخطيط والتوجيه، وفي الرقابة والمحاسبة. اولى مهام الدولة هي ضمان استمرارية الكفاح واولى اهتماماتها يجب ان ينصب على المواجهة مع العدو وكيفية التسريع برحيله عن وطننا. والدولة هي المسؤولة عن تشريع القوانين واستصدار الإجراءات المنظمة للشأن العام، والتي يجب أن يكون الشعب هو مصدر حمايتها وهو المستفيد منها. وقوة سلطة الدولة تكمن في أدائها الذي بدوره يأتي من فعالية اداتها، وهنا لابد للشعب أن يحسن الاختيار في من ينتخبهم وعلى مقاييس واضحة. ان المعركة الحالية تتطلب اداة قادرة على الارتقاء بمستوى كفاح شعبنا إلى درجة الحسم النهائي، اداة قادرة على توظف كل الجهد الوطني في معركة التحرير، اداة قادرة على فرض الدولة الصحراوية  في المعادلة القائمة.  قد يبدوا للبعض أن هذه الخطوات نظرية، ومن الصعب إسقاطها على الشعب الصحراوي، لكن كما أشرنا إليه في بداية هذا المقال ان لا شيء يصعب على من يمتلك روح الإرادة وقوة العزيمة والثقة في النفس والإيمان بالنصر. t

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*