قرار مجلس الأمن الأخير ومواقف الدول تتباين وتتنافر (بقلم: ماء العينين لكحل)

قرار مجلس الأمن الأخير ومواقف الدول تتباين وتتنافر (بقلم: ماء العينين لكحل)

أبدت عدة دول أعضاء في مجلس الأمن الأممي انتقادات واضحة للولايات المتحدة الأمريكية وبقية أعضاء ما يسمى بمجموعة “أصدقاء الأمين العام للصحراء الغربية”، خلال مداخلاتها التفسيرية لتصويتها على القرار الأخير المعتمد من قبل مجلس الأمن يوم الجمعة 27 أبريل.

المجموعة المذكورة، وكما هو معلوم مشكلة من أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وإسبانيا، وهي مجموعة غير رسمية، لكن أعضاءها يفرضون وصايتهم على تحرير جميع القرارات المتعلقة بقضية الصحراء الغربية، ويعطون للولايات المتحدة ما يصطلح عليه بمنصب “المسؤول عن الصياغة” وعن اقتراح مشاريع القرارات على مجلس الأمن وبقية الأعضاء.

غير أن هذه المجموعة تتعرض منذ عدة سنوات لانتقادات كثيرة من قبل أعضاء مجلس الأمن الآخرين الذين يشتكون من تغييبهم عن النقاشات المتعلقة بالتفاوض على صياغة فقرات القرارات، ويعتبرون أن جل هذه النصوص مفروضة عليهم من الدول القوية ولا تأخذ بأفكارهم أو آرائهم. لهذا لاحظنا خلال السنوات العشرة الأخيرة ارتفاع أصوات بعض الدول ضد ما يصفونه أحيانا باستبداد المجموعة المذكورة بالرأي في الموضوع، لدرجة أن تمرير جميع القرارات بات يخضع لجلسة نقاش خاصة تطالب فيه الدول بمداخلات للتعبير عن رأيها في كل قرار، وهو ما لم يكن يحصل سابقا.

مواقف الدول الأعضاء الخمسة عشر

المثير للإهتمام حاليا هو ارتفاع أصوات دول وازنة، ومن داخل المجموعة نفسها، خاصة روسيا هذه المرة، التي صرح نائب مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، فلاديمير سافرونكوف، أن موسكو لم تلجأ لمنع تمرير القرار الأخير حرصا منها على استمرار عمل البعثة الأممية في المنطقة ولعدم عرقلة العملية السلمية.

ورغم ذلك لم تصوت روسيا لصالح القرار، بل امتنعت عن التصويت إلى جانب الصين وإثيوبيا، في شكل من أشكال التعبير عن النقد لهذا النص الذي أعدت مشروعه الولايات المتحدة، فيما صوت باقي أعضاء المجلس الـ12 عليه رغم تعبير بعضهم عن تحفظه على الطريقة التي فرض بها، خاصة منهم الصين، والسويد، والبيرو، وكازاخستان، وبوليفيا، وهولندا.

وفي تصريح لوسائل الإعلام، قال سافرونكوف للصحفيين عقب التصويت: “لم نمنع تمرير القرار لاقتناعنا بضرورة استمرار عمل البعثة الأممية في الصحراء الغربية، والتي تلعب دورا في غاية الأهمية في تثبيت الاستقرار، وخاصة في ما يتعلق بإيجاد “خلفية مناسبة” لاستئناف المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو”، مضيفا أن روسيا لم تصوت بنعم لأن ذلك كان سيعني بالنسبة لموسكو “التراجع عن موقفها الثابت والداعم للأسس القائمة للتسوية، التي تستند بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إلى مبدأ محوري يرضي الجميع على أي صيغة للتسوية”.

وانتقد الدبلوماسي الروسي محاولة بعض الأطراف استبدال مفهوم الحل السياسي المتفق عليه للتسوية في الصحراء الغربية بصيغ أخرى “مبهمة وفضفاضة ومتناقضة” كما وصفها من قبيل “الإمكانية العملية” و”الواقعية”، مشيرا إلى أن ذلك سيفتح الباب “أمام التأويلات المبهمة”، وهو ما تسعى إليه فرنسا ومحميتها بالفعل.

وذكر سافرونكوف، أن عملية إعداد ومناقشة مشروع القرار “لم تتسم بالشفافية وروح التشاور”، مشيرا إلى أن نص القرار بقي “غير متوازن” بعد رفض أصحابه مقترحات “مبررة وبناءة” قدمتها روسيا وبعض أعضاء المجلس الآخرين.

المندوبة الدائمة لأثيوبيا انتقدت تفرد الولايات المتحدة بصياغة القرار، مشيرة إلى أن ملاحظات بلدها لم تؤخذ بعين الاعتبار على الرغم من المرونة الكبيرة التي أبدتها خلال المفاوضات، وهو ما حدا بالبلد الأفريقي للامتناع عن التصويت كتعبير عن عدم دعمه للقرار رغم سماحه بتمريره حتى لا يعرقل جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي.

وشددت المندوبة على أنه لا ينبغي لقرارات مجلس الأمن أن تنحاز لطرف ضد آخر، خاصة في حالة مثل هذه التي يبدو أن القرار أراد توجيه رسائل غريبة لصالح المغرب وضد جبهة البوليساريو.

جمهورية الصين الشعبية التي امتنعت عن التصويت هي أيضا أشارت في تفسيرها لموقفها إلى أن على مجلس الأمن اعتماد قراراته بخصوص الصحراء الغربية وفق مبدأ الإجماع، وهو ما يعتبر انتقادا مبطنا لتفرد الولايات المتحدة بصياغة مشروع القرار.

وعبرت الصين عن أسفها لعدم أخذ الأطراف التي صاغت القرار باقتراحات عدد كبير من أعضاء المجلس، لكنها من جهة أخرى عبرت عن دعمها لمواصلة جهود السلام.

من جهته، صرح المندوب الدائم للسويد،كارل ساكو، أن السويد قد صوتت بنعم فقط لتشجيع الأمين العام ومبعوثه الشخصي على مواصلة جهودهما من أجل إيجاد حل متفق عليه يضمن حق تقرير مصير شعب الصحراء الغربية، ويضع حدا لهذا النزاع الذي طال.

لكنه اعتبر من جهة أخرى أن النص الذي قدمته مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية بقيادة الولايات المتحدة لم يكن متوازنا، مشيرا إلى أن “هناك عناصر جديدة في هذا القرار، تتعلق بالإجراءات التي اتخذتها الأطراف، نجد أنها تفتقر إلى التوازن الكافي، ولا تعكس بشكل كامل التطورات على الأرض”، وهو ما يعتبر في حد ذاته تكذيبا للإدعاءات المغربية.

وأضاف المندوب السويدي أن على المجلس “إعادة تقييم الوضع بشكل صحيح بعد ستة أشهر، عندما يقوم هذا المجلس مرة أخرى بمراجعة ولاية مينورسو”، في إشارة واضحة لمعارضته للفقرات التي يبدو أن فرنسا قد استجدت الولايات المتحدة إضافتها لنص القرار لتلميع صورة المغرب وإعطائه وهم انتصار في هذا القرار الذي اتفق الكثيرون على تحيزه للرباط.

غير أن أهم ما جاء في تصريحه هو الإشارة الواضحة إلى أن السويد ما تزال تعتبر تنظيم استفتاء لتقرير المصير هو حل وارد، حيث ختم مداخلته بأن “جميع الحلول الممكنة يجب أن تبقى على الطاولة. ويشمل ذلك إجراء استفتاء حر وعادل”.

الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدت متناقضة في تفسيرها لتقديمها هذا النص، حيث أشارت ممثلتها إلى أن واشنطن أرادت توجيه رسالتين أساسيتين من خلال هذا القرار، “الأولى هو أنه لم يعد من المقبول أن نسمح بالمزيد من استمرار “الوضع كالمعتاد” مع بعثة المينورسو وفي قضية الصحراء الغربية. والثانية هو أن الوقت قد حان الآن لتقديم مساندتنا ودعمنا الكامل للمبعوث الشخصي كولر في جهوده لتسهيل المفاوضات مع الأطراف”.

أكثر من ذلك، أكدت المندوبة الأمريكية أن بلادها ما تزال “تدعم إيجاد حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين يمكن من تقرير مصير شعب الصحراء الغربية”، مضيفة انها ترى أن مقترح الحكم الذاتي لا يعدو كونه “إحدى المقاربات الممكنة للوفاء بتطلعات شعب الصحراء الغربية لتسيير شؤونهم بأنفسهم بسلام وكرامة”، وهو مايمكن اعتباره موقفا أمريكيا محايدا لا يقفل الباب أمام الإحتمالات الأخرى من قبيل الاستقلال الذي يبقى هو أيضا إحدى الخيارات المطروحة في أي استفتاء أو حل مستقبلي يروم تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره والاستقلال من قبضة الاستعمارين المغربي والفرنسي.

بل حاولت المبعوثة أن تعبر عن موقف بلادها من أي محاولة لاستغلال القرار وتفسيره كما قالت من أجل تسجيل نقاط سياسية، فالدافع وراء القرار في نظرها هو أنه “قد حان الوقت لرؤية التقدم نحو حل سياسي، ووضع حد لإدامة الوضع الراهن بعد 27 سنة” من المماطلات مذكرة بالرأي الذي عبر عنه مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، منذ عشر سنوات حين حذر من احتمال سقوط بعثة المينورسو في حلقة مفرغة دون أن تنجح في تحقيق أي تقدم، وهو ما حصل فعلا تقول المندوبة.

المبعوث الدائم لهولندا، الذي صوت لصالح القرار، تأسف على عدم حصول القرار على الإجماع كما هو مرغوب فيه وكما هو معتاد مشيرا إلى أن كل ما حصل لا ينبغي أن يُغيب عن أذهان الجميع أن الغاية النهائية تبقى هي “إعادة إطلاق العملية السياسية”، في إشارة إلى توقفها منذ سنوات بسبب العراقيل المغربية.

وبالطبع، عبر عن موقف بلاده الداعم لحل سياسي يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية، ودعمها لجهود كوهلر الرامية لإعادة إطلاق المفاوضات.

أما المملكة المتحدة فقد أكدت أنها قد دعمت القرار لأسباب ثلاث لا غير وهي “دعمها لمنع التصعيد بين الطرفين، ولمواصلة بعثة اليمنورسو عملها، وللهدف الأهم المتمثل في حل متفق عليه ودائم يؤدي إلى تقرير مصير شعب الصحراء الغربية”.

كما أشار مندوبها في مداخلته أن التجديد للمينورسو لستة أشهر بدل سنة هو دليل على الأهمية التي سيوليها المجلس لقضية الصحراء الغربية مستقبلا، مؤكدا دعم بلاده لجهود كوهلر.

وبدورها بررت جمهورية كازاخستان تصويتها بنعم بدعمها لجهود السلام وقناعتها بضرورة التوصل لحل سلمي، غير أنها تأسفت لعدم تمرير القرار بالإجماع، معتبرة أن ذلك كان سيوجه رسالة واضحة للطرفين بأن المجلس متحد في قراره، وهو ما فشل هذا القرار في تحقيقه نتيجة لتفرد أطراف معينة بصياغة نسخته النهائية.

المندوب البوليفي الذي صوتت بلاده لصالح القرار أيضا عبر عن أسفه لعدم أخذ المجموعة التي صاغت القرار لأي من مقترحات وأفكار الدول الأعضاء في مجلس الأمن، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الدول كان يريد للقرار أن يكون أكثر توازنا وأن يقف في نفس المسافة بين الطرفين حتى يدعمه جميع أعضاء المجلس.

واعتبر مندوب بوليفيا أن تفرد الولايات المتحدة بما يسمى منصب “المسؤول عن الصياغة”، هو أمر غير مبرر وغير رسمي، ويشكل في حد ذاته قوة سلبية داخل المجلس، معتبرا في الختام أن بلاده تدعم حلا سياسيا متفقا عليه يسمح بتقرير مصير شعب الصحراء الغربية.

البيرو، التي ترأست المجلس خلال الجلسة، عبرت عن دعمها للقرار من أجل الدفع بالجهود الأممية لإيجاد حل سياسي يؤدي لتقرير مصير شعب الصحراء الغربية، كما عبرت عن انشغالها بالوضع الإنساني للاجئين الصحراويين مشيرة في نفس الوقت إلى ضرورة تحسين وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

الدولة العربية الوحيدة في المجلس، الكويت، عبرت على لسان ممثلها الدائم أنها صوتت لصالح القرار من أجل التعبير عن “دعمها التام لحل سياسي عادل ومتفق عليه من الطرفين يضمن حق تقرير المصير وفق معايير ميثاق الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة”.

واعتبر الممثل الكويتي الدائم أن القرار يعكس “رغبة مجلس الأمن الأممي في إعادة إطلاق المفاوضات السياسية بين الطرفين”.

أما غينيا الإستوائية، فقد عبرت عن تثمينها لجهود كوهلر وستيوارت، المبعوثين الشخصي والخاص للأمين العام في الصحراء الغربية، واعتبرت أن تصويتها بنعم يرمي لدعم الجهود الجارية لحل النزاع.

أما فرنسا والكوت ديفوار، فقد كانا وفيين لموقفهما المعروف من دعم الاستعمار في الصحراء الغربية، رغم محاولتهما التغطية بلغة خشبية ومبهمة على هذا الموقف، في حين لم تتوقف جمهورية بولندا طويلا عند الموضوع وعبرت عن دعمها جهود السلام في الصحراء الغربية دون أن يكون لها موقف واضح.

خاتمة:

لقد اخترنا في هذا النص توضيح أهم ما جاء في مداخلات الدول الخمسة عشر الأعضاء في مجلس الأمن لتفسير الأسباب خلف تصويتها لصالح القرار أو امتناعها عن التصويت، لما لذلك من أهمية لفهم الديناميكية القائمة داخل المجلس نفسه الذي يتضح جليا مما سبق افتقاده لأي توافق بين أطرافه ما عدا فيما يخص أهمية قضية الصحراء الغربية، وضرورة وضع حد للوضع القائم وحل النزاع بالطرق السلمية، وهي رسالة أيضا للمغرب الذي يهدد بالحل العسكري رغم معرفة الجميع بعجزه عن تنفيذ هذا التهديد الفارغ.

لكننا لم نتعرض لما ورد في القرار بالتفصيل، حيث اعتبرنا أن جميع المهتمين قد اطلعوا على نصه، والذي نعتبره إيجابيا في بعض نقاطه، وسلبيا في أخرى، كما عبرت العديد من الدول الأعضاء عن ذلك هي نفسها، خاصة الدول التي أشرنا إليها سابقا، التي انتقدت نوعا ما ما بدا للجميع أنها ورود مجانية للنظام المغربي المسؤول الأول والأخير عن كل العراقيل التي تقف في وجه حل هذا النزاع.

الموقف الأمريكي بدا مثيرا للإهتمام، ومتناقضا بعض الشيء، مما يبين إلى حد ما وجود رأيين مختلفين داخل الإدارة الأمريكية نفسها لا نعرف بدقة أقطابهما، ولكن يبدو من جهة أن زيارة الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، والعلاقة العاطفية الغريبة التي ظهرت على شاشات التلفاز بين ماكرون وترامب، قد كان لها الأثر الكبير على قيام الإدارة الأمريكية بصياغة القرار بشكله الغريب الذي انتهى إليه من تقديم فقرات كاملة لصالح المغرب دون مبرر منطقي. وفي الوقت نفسه، كان القرار قويا في دعوته لاستئناف المفاوضات تحت إشراف كوهلر، الذي عبرت الولايات المتحدة عن دعمها الصارم له، وهو ما قد لا يروق للمغرب.

الأمر الثاني الذي بدا جليا في مداخلة مندوبة الولايات المتحدة هو استشهاد هذه الأخيرة بمقولة لمستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، الذي كان قد حذر من فشل المينورسو، منذ عقد من الزمن، حيث يبدو أن هذه الإشارة هي رسالة مبطنة للمغرب بأن هذا المسؤول الأمريكي سيكون له دور مهم في توجيه دفة الموقف الأمريكي في المستقبل بخصوص الصحراء الغربية، ومعروف أن بولتون محسوب على الجناح المتشدد من الجمهوريين، ويدعم إما نقل القضية للبند السابع أو ترك الطرفين في مواجهة بعضهما البعض لحل النزاع خارج الأمم المتحدة، وهما توجهان لا نعتقد أن المغرب ولا حلفاؤه يرغبون فيهما.

وفي الأخير، لا بد أن نجدد التأكيد بأن القضية الصحراوية تدخل منعطفا جديدا داخل أروقة مجلس الأمن، حيث بدأت مواقف الدول تتضح وتنقسم، مما يطرح على القيادة الصحراوية، وعلى أصدقاء الشعب الصحراوي مسؤولية حقيقية في مواجهتها ميدانيا عبر إيجاد سبل للفعل بما يؤثر على موازين القوى داخل هذه الهيئة الأممية.

لكن بالمقابل، نعتقد جازمين أن الضربات المتكررة والموجعة التي تلقاها المغرب خلال السنوات القليلة الماضية قد بدأت تحرك الوضع الدولي بشأن قضية الصحراء الغربية، التي لم تعد قضية منسية كما يريد لها المغرب وأصدقائه، بل قضية ساخنة تتصارع مواقف الدول بشأنها في أعلى هيئات صنع القرار الدولي.

المصدر: الصحراوي.نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*